آخر تحديث :الأحد-03 مايو 2026-10:24م

نار الأسعار تأكل ما في الجيوب .. حين يصبح الخبز حلمًا و الزيت ترفًا

الأحد - 03 مايو 2026 - الساعة 08:37 م

فؤاد داوؤد
بقلم: فؤاد داوؤد
- ارشيف الكاتب

لم تعد الأسعار ترتفع ، بل تطير .. و لم تعد الجيوب تفرغ ، بل تُشفط .. ما يجري اليوم في أسواقنا ليس " غلاءً " عابرًا ، بل " اجتياح " منظم للقدرة الشرائية .. إنه حرب بلا بارود ، ضحيتها المواطن ، و سلاحها لقمة العيش ، و غنيمتها عرق البسطاء .


و نتيجة لهذه الظاهرة المأساوية تجد المواطن بين مطرقة السوق و سندان الجوع ، و للتأكد من ذلك ادخل أي سوق ، و انظر في وجوه الناس .. سترى العجز مكتوبًا في العيون قبل الفواتير .. الأب يحسب و يعيد الحساب ، و الأم تحذف صنفًا بعد صنف ، و الطفل يجر ثوب أمه نحو قطعة حلوى صارت من الكماليات .


كيلو الأرز كان بالأمس في متناول اليد ، اليوم صار ضيفًا ثقيلًا على المائدة .. زيت الطعام تحول من سلعة أساسية إلى " ترف " يُقاس بالملعقة .. السكر ، الدقيق ، الحليب ، حتى الخضار التي تخرج من ترابنا .. كلها استعارت أجنحة الدولار و حلقت بعيدًا عن طاقة الفقير .


لم نعد نتحدث عن " ارتفاع أسعار " ، بل عن " انهيار قيمة الإنسان " .. فحين يصبح تأمين وجبة واحدة معركة يومية ، فاعلم أن الوطن كله على حافة الهاوية .


و تنطلق الأسباب في ذلك من الجشع الداخلي إلى العاصفة العالمية .. فالمرض له ألف وجه ، و الغلاء له ألف يد .. و من يكذب على الناس بأن السبب واحد ، فهو إما جاهل أو شريك في الجريمة .. الحقيقة أن نار الأسعار لها حطب محلي و حطب مستورد و يتبلور ذلك من خلال الآتي :-


1. إن انهيار العملة .. المتهم الأول .. فحين تسقط العملة الوطنية صريعة ، يرتفع كل شيء إلا كرامة المواطن .. فالتاجر يستورد بالدولار ، و يبيع بما يقابل الدولار .. و الدولة التي لا تملك عملة تحترم نفسها ، لا يحترمها سوق .. فكل سقوط للريال ، هو ارتفاع في سعر الرغيف .. و المعادلة لا تكذب : عملة مريضة = شعب جائع .


2. جشع المحتكرين من تجار الحروب والأزمات .. ففي كل أزمة يولد " تجار دم " .. هؤلاء الذين يخزنون القوت ، و يصنعون الندرة ، و يرفعون السعر كل صباح كأنهم يؤذنون للفجر .. هم سرطان السوق ، يقتاتون على جوع الناس ، و يبنون قصورهم على أنقاض الموائد الخاوية .. القانون غائب ، و الرقابة نائمة ، و الضمير في إجازة مفتوحة .


3. الجبايات و الرسوم القانونية و الخارجة غن القانون الأمر الذي جعل الدولة تنهش ظهر المواطن .. و نتيجة لذلك كيف لا يرتفع السعر ، و السلعة تُجلد من الميناء إلى الدكان ؟ جمارك ، ضرائب ، تحسين ، نظافة ، نقل ، نقاط ، إتاوات ، إلخ إلخ إلخ .. كل جهة تقتطع قطعة من جسد السلعة ، حتى تصل إلى المواطن بسعر مضاعف .. فالدولة بدل أن تكون " مظلة " تحمي المستهلك ، تحولت إلى " شريك " في تجويعه .


4. انهيار الإنتاج المحلي و وطن يستورد ملحه .. فبعد أن كان الوطن سلة غذاء ، صار يستورد أبسط الأشياء الأساسية لقوته اليومي .. أرض ماتت عطشًا ، و مزارع هُجر ، و فلاح كسره الديزل و السماد و الجباية .. فصرنا رهينة للخارج ، إن عطس السوق العالمي أصبنا بالحمى .. فمن لا يزرع قمحه ، لا يملك قراره .. و من لا يصنع غذاءه ، يشتري ذله بالعملة الصعبة .


5. الحرب و اضطراب سلاسل الإمداد .. النار العالمية .. حيث أن العالم كله يحترق .. حرب هنا ، حصار هناك ، موانئ مغلقة ، و بواخر تائهة .. الشحن تضاعف أربع مرات ، و التأمين صار كابوسًا ، و القمح صار سلاحًا سياسيًا .. و نحن الحلقة الأضعف في السلسلة ، و أول من يُطحن إذا اضطربت .


و النتيجة الحتمية التي لا بد منها أن المجتمع صار على فوهة بركان .. لأن الغلاء ليس رقمًا في نشرة اقتصادية ، بل هو أب يهرب من وجه أطفاله آخر الشهر .. هو أم تطبخ الماء و توهم صغارها أنه مرق .. هو طالب يترك مدرسته ليعمل .. هو أسرة تبيع ذهبها ، ثم أثاثها ، ثم كرامتها .


و بهذا الصدد يتضح لنا جليٱ أن الغلاء يصنع الجريمة ، و يُفخخ المجتمع ، و يقتل الانتماء .. فالمواطن الجائع لا يسمع نشيدًا وطنيًا ، بل يسمع قرقرة بطنه .. و الشاب العاطل لا يحلم بالوطن ، بل يحلم بتأشيرة هروب .


و لهذا فأن الحل لا يمكن في التخدير. ، بل في الجراحة العاجلة و يتمحور ذلك في الآتي :-


1. إنقاذ العملة أو الموت البطيء ، إذ أن لا حديث عن أسعار قبل وقف نزيف الريال ، فهذه معركة سيادة لا معركة أرقام .

2. شنق المحتكرين بقانون من حديد ، و ذلك بالسجن و التشهير و مصادرة الأموال لكل من يتاجر بقوت الناس ، باعتبار أن الاحتكار خيانة وطنية في زمن الحرب .

3. كسر ظهر الجبايات ، و ذلك من خلال وقف القوافل الجمركية التي تلتهم السلعة من المنفذ إلى المستهلك .. فالدولة التي تريد أن تعيش، يجب أن تدع شعبها يعيش .

4. العودة إلى الأرض ، و يتجلى ذلك من خلال دعم الفلاح ، زراعة القمح و الحبوب بكل أنواعها ، حماية المنتج المحلي .. فالأمن الغذائي هو خط الدفاع الأول عن السيادة .

5. إيجاد شبكة حماية حقيقية لا وهمية ، عن طريق توفير سلال غذائية مدعومة ، تعاونيات استهلاكية ، تسعيرة عادلة تُفرض بالقوة .. فالجائع لا ينتظر " الدراسات " .


و في الختام لا يمكننا أن نقول إلا أن الجوع كافر .. و السكوت عليه كفر أكبر ، حيث أن أخطر ما في الغلاء أنه يسرق منا إنسانيتنا قبل أن يسرق أموالنا .. يجعل الأخ يسرق أخاه ، و الشريف يمد يده .. و الدولة التي لا تستطيع أن تطعم شعبها ، لا تستحق أن تحكمه .


فأطفئوا نار الأسعار قبل أن تحرق الوطن .. فالجوع إذا دخل من الباب، هربت الأوطان من النوافذ .. و التاريخ لا يرحم حكامًا ماتت شعوبهم من الجوع و هم يتفرجون .


الخبز قبل البندقية ، و الكرامة قبل الشعارات .. و من لا يملك قوت يومه ، لا يملك قرار غده .