لم يكن دخول الطاقة الشمسية إلى الريف اليمني حدثا عاديا؛ بل كان يشبه شروق فجرٍ جديد فوق أرض عطشى. طاقة نظيفة، مجانية، حاضرة متى ما أشرقت الشمس؛ لا ديزل، لا ضوضاء مولدات، لا انتظار، ولا تلك التكاليف التي أرهقت المزارعين لعقود طويلة.
انتشرت الألواح الزرقاء فوق الحقول والبيوت؛ وكأن الريف يلبس ثوبا حديثا يتحدى به ضيق العيش وغلاء الوقود. بدا الأمر وكأنه وعد بالخلاص، وبداية نهضة زراعية طال انتظارها.
لكن خلف هذا الضوء الساطع ظلٌّ ثقيلٌ كان يمتدّ بصمت. فما بدا في أول الطريق نعمة خالصة، تكشّف سريعا عن سلسلة أزمات بيئية وزراعية ومائية تهدد واحدة من أهم ركائز حياة اليمنيين: الريف وأمنه المائي والغذائي.
عندما تحرّر المزارع من عبء الديزل؛ تحررت كذلك المضخة من أي ضابط أو كلفة. صار بإمكانه تشغيلها ساعات طويلة بلا حساب؛ فالعَدّاد لا يدور، والمحطة الشمسية “تعمل مجاناً”؛ لكن الطبيعة لها قوانينها! فالمياه الجوفية محدودة، والتربة حساسة، والبيئة لا تتسامح مع الاستخدام الخاطئ.
وهكذا بدأت الخسائر تتسلل بصمت:
– الآبار تهبط، والمياه تقاوم بصعوبة
– انخفض منسوب المياه في كثير من المناطق أمتارا خلال سنوات قليلة، وبدأت بعض الآبار تجف أو تضعف قدرتها على الضخ؛ فالمضخات الشمسية لا تعرف الرحمة؛ ترفع الماء كما لو أنه لا ينفد.
– والتربة تختنق؛ فالري بالغمر – ذلك الأسلوب القديم – تحول إلى عبء خطير! فعندما تُغمر التربة بلا توقف، تُحرم من الهواء، تموت الكائنات الدقيقة، وتتحول الأرض إلى كتلة صلبة فقيرة لا تحتمل الزراعة.
– صعود الملوحة؛ العدو الذي لا يُرى؛ فالغمر المتكرر يدفع الأملاح نحو السطح، لتبتلع التربة من الداخل. ومع الوقت، يصبح الحقل الذي كان يزهو بالخضرة عاجزا عن إنبات أبسط المحاصيل.
– محصول ضخم شكلا، ضعيف مضمونا؛:فالري الزائد لا يقوّي النبات! بل يضعفه، يغسل العناصر الغذائية من محيط الجذور، فيكبر الساق والورق؛ بينما ينهار الجوهر.
وخسائر البيئة لا تبقى وحدها؛ فحين يتضرر الماء والتربة؛ يتضرر معها المجتمع كله:
– انخفاض دخل المزارع؛ نتيجة إنتاج أقل، نوعية أضعف، وأرباح تتآكل...
– ارتفاع أسعار الغذاء: لأن العرض يقل، والطلب يبقى كما هو.
– تزايد النزاعات على الآبار: فالماء القليل يفتح باب الخصام.
– تهديد الأمن المائي؛ إذ جفاف المياه يعني جفاف الاستقرار.
– هجرة من الريف؛ فحين تنهار الزراعة؛ تنهار حياة كاملة.
وهكذا، تحوّلت “الطاقة المجانية” إلى عبء غير مرئي ينهش أساس الريف اليمني من الداخل.
المشكلة ليست في الشمس؛ ولا في الألواح؛ بل في غياب الإدارة والوعي:
– أخطاء فنية وزراعية
– الجهل بأساليب الري الحديثة.
– الاعتقاد أن الغمر أفضل وسيلة.
– غياب أنظمة قياس كميات المياه.
وهناك أخطاء اجتماعية:
– تقليد المزارعين بعضهم دون فهم.
– قناعة راسخة بأن “الإكثار من الماء يزيد الإنتاج”.
وهناك أخطاء اقتصادية:
– الطاقة المجانية أغرت بالإفراط.
– لا تسعير للمياه.
– لا حوافز لتقنيات الري الحديثة.
وهناك أخطاء رسمية:
– توزيع منظومات الطاقة الشمسية بلا دراسات.
– غياب الرقابة على السحب الجوفي.
– دعم الري بالغمر بدلا من دعم الري الحديث.
– ضعف التنسيق بين الجهات الزراعية والبيئية.
إنها قصة تكنولوجيا دخلت بلا سياسة؛ فصارت جزءا من المشكلة.
والحل؟ ليس بإطفاء الشمس؛ بل بإضاءة الوعي؛ فلا أحد يدعو إلى التخلي عن الطاقة الشمسية.
بل إلى استخدامها بحكمة، وتحويلها إلى أداة نهضة؛ لا مطرقة تهوي على مستقبل الأرض.
وأول الطريق يبدأ هنا:
– التحول من الغمر إلى الري بالتنقيط والرشاشات منخفضة الضغط، ما يوفر من 50 إلى 70% من المياه.
– تركيب عدادات ذكية لمعرفة السحب والاستهلاك والهدر.
– بناء حواجز ترابية وخزانات أرضية لحصاد مياه الأمطار.
– إصدار قوانين صارمة؛ لحماية المياه الجوفية ومنع الحفر العشوائي.
– ربط دعم المنظمات بضرورة تطبيق الري الحديث.
– اعتماد برامج توعية مستمرة؛ لا محاضرات عابرة.
– تشجيع محاصيل قليلة الاستهلاك للماء كالذرة الرفيعة والدخن.
– إنشاء جمعيات مستخدمي المياه لإدارة الآبار وحل النزاعات.
أيها المزارع! كل لتر ماء تخرجه اليوم دون حاجة؛ هو لتر تُخرجه من مستقبل أولادك. وكل أرض تُتلفها؛ ستحتاج سنين لتعود كما كانت؛ هذا إن عادت.
أيها المسؤولون والمنظمات! صنعتُم خيرا بالطاقة الشمسية؛ لكن الخير يحتاج إدارة. وما لم تُضبط السياسات، سيتحوّل الدعم إلى ضرر مضاعف. والماء ليس ملكا لأحد؛ إنه أمانة بين أيدينا.
ختاما؛ الطاقة الشمسية ليست مشكلة. والري بالغمر ليس قدرا. والكارثة ليست حتمية.
وما سيحدد مستقبل الريف اليمني هو وعينا الجماعي:
– هل نجعل الشمس جسرا إلى زراعة مستدامة؛ أم نجعلها طريقا إلى جفاف يبتلع ما تبقى من مواردنا؟
الوقت بين أيدينا؛ لكن الفرصة تضيق؛ فلنغتنمها قبل أن تشرق الشمس يوما، ولا تجد ماء تحتها!