آخر تحديث :الأحد-22 مارس 2026-06:39م

اللحظة الفارقة

الأحد - 22 مارس 2026 - الساعة 06:09 م

حسين أحمد الكلدي
بقلم: حسين أحمد الكلدي
- ارشيف الكاتب

كنتُ في سبعينيات القرن الماضي في مدرسة منطقتنا الابتدائية، التي لم يسبق لأحدٍ من أجدادنا وآبائنا أن عرف مثلها من قبل. اذ كانت تلك المرحلة تُعدّ لحظةً فارقة من حيث الزمن؛ ومثّلت بداية الانتقال والتحرر من الجهل والظلام والفقر، والانتقال إلى مرحلة تصالح المجتمع مع نفسه، في التقارب والعمل بالطابع الاجتماعي. فكانت تُقام حفلات ومبادرات جماهيرية جماعية مشتركة، تلتصق بالذاكرة بقوة؛ لأننا نتشاركها مع الآخرين بشغف كل شيء وغالبًا ما تُثير هذه اللحظات عاطفةً إيجابية. وربما تكون بعض الأوقات الخاصة لحظاتٍ شخصية للغاية؛ مثل أن تذهب إلى موقعٍ مهمٍ لك، أو إلى المدرسة، أو ترعى الغنم، أو تحضر حفلات المناسبات الوطنية اوزفاف لأحد أبناء القرية. فهذه تُعدّ من اللحظات التي تبعث على البهجة، ومن تلك اللحظات الفارقة الإيجابية. عندما أذهب للرعي، ومعي كتاب اللغة الإنجليزية، أحاول أن أقلّد بشكلٍ مستمر بعض الخط المميز الذي يتوفر في كتاب المدرسة، أو في كتبٍ أخرى نستلفها من بعضنا نتيجة شحّ الكتب. او لحظات حملة المشاركة في تدريس الكبار بمحو الأمية، التي قادها المدرسون والطلبة على حدٍّ سواء، وكنا نشعر بالفخر. إذن، لا تقتصر تلك اللحظات على تلك البدايات، بل تمتد إلى الظروف القاسية التي تلت تلك المرحلة، وصنعت لحظاتٍ فارقة وضعت حدًا فاصلًا بين مرحلتين هامتين: فاصلة بين المرحلة الإيجابية والسلبية. فعندما اقتُلِعت قيادة المرحلة الأولى، جزء من زملائهم المشاركين لهم بالعمل الوطني في تلك المرحلة، عبر التصفية، كان مجرد التفكير في تلك اللحظات يعني التحولات العميقة البارزة التي فتّتت اللحمة الوطنية والنسيج المجتمعي. بالإضافة إلى ذلك، هناك نوعٌ آخر من اللحظات، تُعدّ تجارب فارقة تُسمّى بالحُفَر، وهي لحظاتٌ فارقة سلبية، تكونت نتيجة تخلخل القيادة؛ فهي نقيض القمة ، وتمتلئ بالصعوبات والألم والقلق. بل امتدت إلى مراحل أخرى تلتها، كانت أسوأ منها ألمًا وصعوبة، وجرى بعدها تحولات عميقة جدًا، اتسمت بأنها شبه عالمية اثناء سقوط المعسكر الشرقي ؛ إذ اتسمت بتحولات كبرى وعظيمة للشعبين اليمنيين على حدٍّ سواء، أثناء تحولهما إلى شعبٍ واحدٍ موحّد.

لكن تلك اللحظة لم تدم طويلًا؛ فقد واجه القادة العسكريون والمدنيون استياءً من سوء قرارهم المتسرع، عند اكتشافهم صعوبة تحقيق اي تقدم في المستقبل، نتيجة اكتشاف الحُفَر والأخطاء الفادحة التي تحصل في الحياة اليومية. وظهر ذلك جليًا في التمييزالعنصري والقبلي في العمل السياسي، والإقصاء والتصفية من قبل منافسيهم في السلطة. ولهذا مرت البلاد بأسوأ مراحلها، وبأوقاتٍ عصيبةٍ ومستمرة حتى يومنا هذا. فخسر الوطن كل مدخراته وما لديه من كوادر وامكانيات فكرية، بالمغامرة بأبنائه في صراعاتٍ عقيمة، وخسرت الأسرة أحباءها نتيجة صراع المصالح والأطماع من قبل القيادة التي كانت ترعى مصالحها الخاصة أولًا، وتخلّت عن قيادة المرحلة. ومنذ ذلك الحين، جزءٌ من الوطن يتشبث بالوحدة، والجزء الآخر يتشبث بالعودة إلى ما قبلها. وعلى كل حال، لم يعد هناك ما نسميه وطن موحّد . أعتقد أن هذا يُعدّ تخليدًا لذكرى نهاية المشروع الوحدوي . ومع ذلك، قد يكون أمرًا مفيدًا للجميع، للحفاظ على اللحمة والنسيج الوطني المجتمعي؛ لأننا لم نرَ أي بارقة أمل، بل نرى انسداد الأفق، وضيق طرق التوصل إلى حلول بين أصحاب المصالح والمشاريع الخاصة التي لا تمس مصالح الناس بصلة، وارى من يمارسون السلطة في قيادة الدولة من خارج الحدود .اذ تُعدّ لحظةً فارقة؛ لكونها سابقة تاريخية قد تدخل موسوعة الأرقام القياسية العالمية، حيث لم يسبقهم بها أحد.