في ظل انتظام صرف رواتب معظم المرافق الحكومية والتشكيلات العسكرية، لا يزال منتسبو الجيش والأمن الشرعي يرزحون تحت واقع معقد ومجحف، يعكس اختلالات عميقة في آليات الصرف والرقابة، ويضع حقوقهم المشروعة في مهب العبث.
فعلى الرغم من تأخر رواتبهم لأكثر من أربعة أشهر، تم مؤخرًا صرف راتبي نوفمبر وديسمبر من العام الماضي، غير أن معاناة العسكريين لم تنتهي عند حدود التأخير، فمنذ منتصف شهر رمضان، ظل الجنود يتنقلون بين شركات الصرافة دون جدوى، في مشهد يعكس حجم الإرباك وسوء التنظيم.
وعند بدء عملية الصرف، برزت إشكالية أكثر خطورة، حيث تفاجأ عدد كبير من العسكريين ممن لا يتجاوز راتب أحدهم 60 ألف ريال يمني باستقطاع ما يقارب نصف الراتب، وتشير الوقائع الميدانية إلى أن هذه الخصومات لا تقتصر على حالات فردية، بل تمارس على نطاق واسع من قبل معظم قيادات الألوية والوحدات الأمنية، باستثناء قلة محدودة، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول غياب الرقابة والمساءلة.
وتكتمل أبعاد الأزمة بتعقيدات مصرفية تزيد من إنهاك العسكريين، حيث يتم صرف الرواتب بما قيمته بالريال السعودي لعدم توفر السيولة المالية، وبأسعار صرف غير منصفة، كما يعاني الكثير من الجنود من غياب الفروع المصرفية للبنوك الخاصة في محافظاتهم، ما يضطرهم إلى اللجوء لوسطاء يفرضون عمولات مرتفعة تستنزف ما تبقى من مستحقاتهم.
إن هذه الممارسات مجتمعة تشكل “مثلث ضغط” حقيقي يلتهم راتب العسكري بين الاستقطاع غير المشروع، والتعقيدات المصرفية، وغياب العدالة في آليات الصرف، الأمر الذي يضاعف من معاناة الجنود وأسرهم، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
وعليه، فإن المسؤولية تقع بشكل مباشر على عاتق قيادتي وزارتي الدفاع والداخلية، لوضع حد لهذه التجاوزات، وفرض رقابة صارمة تضمن صرف الرواتب كاملة دون استقطاع، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في المساس بحقوق العسكريين.
إن إنصاف الجندي ليس ترفًا، بل واجب وطني وأخلاقي، فهؤلاء الذين يتحملون أعباء حماية الوطن، يستحقون أن تصان حقوقهم، وأن تدفع مستحقاتهم كاملة دون انتقاص أو تأخير.