آخر تحديث :الأحد-15 مارس 2026-04:49م

السلفيون… الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها

الأحد - 15 مارس 2026 - الساعة 03:01 م

د. غسان ناصر عبادي
بقلم: د. غسان ناصر عبادي
- ارشيف الكاتب

في خضم الصراعات السياسية وتضارب الروايات، يحاول البعض اليوم القفز على حقائق واضحة في تاريخ اليمن الحديث، أو التقليل من أدوار قوى وطنية كان لها موقف حاسم في لحظات مصيرية، ومن أبرز هذه الحقائق التي لا يمكن إنكارها أو طمسها، الدور الذي لعبه إخواننا السلفيون في مواجهة المشروع الحوثي منذ بداياته الأولى.


فبينما كانت قوى سياسية كثيرة منشغلة بصراعاتها وحساباتها، كان السلفيون في دماج بمحافظة صعدة يقاتلون الحوثيين في عقر دارهم، وبإمكانات محدودة وسلاح شخصي، يدافعون عن أنفسهم وعن محيطهم في مواجهة مشروع مسلح يتوسع يوماً بعد آخر، ومع ذلك صمدوا سنوات طويلة في وجه حصار وحروب متكررة.


لكن حين أُجبر السلفيون على مغادرة دماج تحت ضغوط محلية وإقليمية ودولية، فُتح الطريق أمام الحوثيين للتمدد، وبعد فترة قصيرة فقط، سقطت العاصمة صنعاء في أيديهم، في مشهد كشف حجم التواطؤ والانهيار داخل مؤسسات الدولة، خصوصاً مع دخول قوات كانت تتبع الحرس الجمهوري ومعظم وحدات الجيش والأمن التي بقيت تدين بالولاء للرئيس الأسبق علي عبدالله صالح.


وبسقوط صنعاء تساقطت المحافظات الشمالية الواحدة تلو الأخرى دون مقاومة تُذكر، وكأن الدولة قد تفككت فجأة، ثم اتجهت ميليشيا الحوثي نحو الجنوب، واستمرت في زحفها حتى وصلت إلى تخوم العاصمة عدن، حيث كان يقيم الرئيس عبدربه منصور هادي.


في تلك اللحظات العصيبة، كان المشهد صادماً، وحدات عسكرية انسحبت، وقيادات اختفت، وجبهات تُركت بلا دفاع، وبدا وكأن عدن ستسقط خلال أيام.


لكن ما لم يكن في حسابات الحوثيين هو أن المجتمع نفسه سيقاوم.


فقد نهض أئمة المساجد من إخواننا السلفيين، وحشدوا الشباب والمواطنين، وسلحوا من استطاعوا تسليحه بما توفر من سلاح شخصي، تحولت مساجد عدن إلى منابر تعبئة وصمود، وارتفعت أصوات التكبير والدعوة إلى الدفاع عن المدينة.


لم يكن هناك جيش منظم بالمعنى التقليدي، بل كانت هناك إرادة شعبية صلبة تشكلت من أبناء عدن، ومن السلفيين، ومن عدد من القادة العسكريين الشرفاء الذين انحازوا إلى الوطن والمواطن، وكان من أبرز هؤلاء القادة اللواء الشهيد علي ناصر هادي قائد المنطقة العسكرية الرابعة، الذي تقدم الصفوف وقاتل في الخطوط الأمامية حتى استشهد مدافعاً عن عدن.


ورغم القصف العنيف الذي تعرضت له المدينة بالأسلحة الثقيلة، ورغم الدمار والنزوح والمشاهد المؤلمة التي عاشها السكان، استمرت المقاومة في الصمود، وأفشلت المخطط الذي كان يهدف إلى إسقاط الجنوب بالكامل.


ثم جاءت اللحظة الفاصلة بإعلان عاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية، حيث قدم التحالف العربي دعماً حاسماً للمقاومة الوطنية، وفي مقدمتها السلفيون وعدد من القادة العسكريين الوطنيين، وبدأت معركة التحرير التي انتهت بدحر الحوثيين من العاصمة عدن.


وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان، صدحت مساجد عدن بالتكبير، وعمت الفرحة أرجاء المدينة بعد كسر ذلك الغزو.


لكن المفارقة المؤلمة اليوم أن بعض الأصوات تحاول القفز على هذه الحقائق، أو التقليل من دور السلفيين، بل ويذهب البعض إلى مهاجمتهم أو التشكيك في مواقفهم، وكأن الذاكرة الوطنية يمكن محوها أو تزويرها.


والحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح:

لو لم يقف السلفيون في دماج في وجه الحوثي منذ البداية، ولو لم ينهضوا مع أبناء عدن للدفاع عن مدينتهم حين تراجع كثيرون، لكان المشهد اليوم مختلفاً تماماً.


إن الإنصاف يقتضي الاعتراف بالفضل لأهله، والتاريخ لا يكتب بالأهواء السياسية ولا بالمزايدات الإعلامية، فهناك رجال ثبتوا في الميدان حين كان الثبات هو الخيار الأصعب، وهناك من اختاروا الصمت أو الانسحاب.


ومن هنا فإن الوقوف مع إخواننا السلفيين ليس مجاملة لأحد، بل هو موقف وفاء لمن قدموا التضحيات، وثبتوا في أصعب اللحظات دفاعاً عن الدين والوطن والكرامة.


والتاريخ سيظل شاهداً على من وقف يوم الشدة… ومن غاب.


حفظ الله الوطن، ورحم شهداءه الأبرار، وكتب لهذا الوطن مستقبلاً يليق بتضحيات أبنائه.