آخر تحديث :السبت-14 مارس 2026-12:30ص

في الذكرى الحادية عشر لتحرير عدن

الجمعة - 13 مارس 2026 - الساعة 11:08 م

العميد طارق علي ناصر هادي
بقلم: العميد طارق علي ناصر هادي
- ارشيف الكاتب

تمرّ علينا الذكرى الحادية عشرة لتحرير العاصمة عدن، حاملةً معها عبق النصر، ومرارة الفقد، وفخر الانتماء لمدينةٍ علّمت العالم أن الكرامة لا تُباع ولا تُشترى. إذ إن هذه الذكرى ليست مجرد تقويمٍ زمني، بل هي صكُّ حريةٍ كتبه الأبطال بدمائهم في أزقة التواهي وشوارع المعلا وبقية شوارع عدن.

حين أستحضر صورة والدي اللواء الركن علي ناصر هادي في تلك الأيام العصيبة من عام 2015، لا أرى قائداً عسكرياً يدير غرف العمليات فحسب، بل أرى رجلاً يسابق الزمن ليصنع قدراً جديداً لمدينته. أتذكر جيداً كلماته لي في تلك الليالي التي لم يعرف فيها النوم طريقاً إلى عينيه، حين كان يقول بلهجته الواثقة:

"يا طارق، عدن أمانة في أعناقنا، وإذا سقطت عدن سقطت الكرامة، والكرامة أغلى من الحياة."

لم يكن يبحث عن مخرج آمن أو موقع خلفي، بل كان يصرّ على أن يكون في مقدمة الصفوف، يوزّع العزيمة على الشباب المقاوم قبل أن يوزّع الذخيرة.

في آخر تواصل لنا، لم يكن حديثه عن إنجاز شخصي، بل كان قلقاً على عدن وأهلها، وكأنه كان يشعر أن دمه سيكون القربان الذي يفتح باب النصر. لقد اختار أن يرحل وهو واقفٌ كأشجار النخيل في مديرية التواهي، مقبلاً غير مدبر، ليرسم بدمه الطاهر ملامح الفجر الذي نعيشه اليوم.

لقد كانت معركة تحرير عدن معركة غير متكافئة بالمعايير العسكرية التقليدية، لكن إيمان المقاتلين، ودعم الأشقاء في التحالف العربي، وصلابة القادة قلبت الموازين. إن هذا النصر هو الذي حمى هوية المدينة ومدنيتها من مشاريع الظلام والانكسار.

رسالة إلى رفاق السلاح

إلى إخواني وأبنائي في المنطقة العسكرية الرابعة، وإلى أولئك الأبطال من شباب المقاومة الذين عاصروا الوالد الشهيد وكانوا تحت قيادته في تلك الأيام الخالدة:

يا رفاق الدرب والخنادق، إن الانتصارات التي تحققت لم تكن لتتم لولا اصطفافكم الصادق وتضحياتكم التي فاقت الوصف. إن الوفاء لدم الشهيد القائد علي ناصر هادي، ولآلاف الشهداء الذين ارتقوا بجانبه، يفرض عليكم اليوم مسؤولية مضاعفة.

كونوا كما عهدناكم الحصن المنيع لعدن، والعيون الساهرة على أمن المواطن، واليد التي تبني كما كانت اليد التي تحمي. لا تسمحوا للفرقة أن تنال من نصركم، ولا لليأس أن يتسلل إلى عزيمتكم؛ فأنتم الورثة الشرعيون لمدرسة الفداء التي تخرج منها والدي والكثير من الشهداء الأبطال.

ستبقى عدن حرة، وستظل سيرة والدي نبراساً يضيء لنا دروب العزة، وقصةً تُحكى للأجيال عن القائد الذي لم يبع دينه ولا وطنه، واشترى لعدن حريتها بروحه.


المجد للشهداء.. والحرية للوطن