لم يكن الجوع يوما قضية معدة خاوية فحسب بل كان دوما صرخة عقل يطلب النور ونفس تتوق إلى الكرامة في ذاكرة الأمم نجد أن الحضارات لا تسقط حين ينفد قمحها بل حين يجف معين أخلاقها وتضيق عقول أبنائها عن استيعاب الآخر نحن اليوم ونحن نعيش روحانية الشهر الفضيل نحتاج إلى استحضار تلك الحكمة التي تقول إن إطعام الوعي هو الضمانة الوحيدة لبقاء المجتمعات متماسكة فالموائد مهما باذخ صنيعها تظل قاصرة عن سد رمق مجتمع يتشاحن أفراده على الكلمة بينما يتقاسمون الرغيف
إن المتأمل في تاريخنا الثقافي يجد أن المجتمع الفاضل لم يقم على تكديس الثروات بل على صياغة محتوى إنساني رفيع كانت المجالس في حواضرنا القديمة تسمى موائد الأدب حيث يقدم فيها الفكر قبل الطعام ويحتفى فيها بالكلمة الطيبة كما يحتفى بالضيف المشكلة المجتمعية التي نواجهها اليوم هي الفقر الثقافي المغلف بـ الغنى المادي نحن في رمضان نبالغ في إظهار الكرم الخارجي لكننا قد نبخل بالإنصاف في أحاديثنا ونشح بالتسامح في خلافاتنا إن إعادة بناء الوعي المجتمعي تتطلب منا أن نجعل ناصفة أخلاقنا تسبق ناصفة موائدنا وأن ندرك أن المجتمع الذي يمتلك عقولا جائعة للمعرفة والوقار لن تغنيه الموائد العامرة ولو بلغت عنان السماء
فمن أبرز ما قرأت إن الجوع الذي يطهرنا هو جوع النفس عن الكبر وإن الشبع الذي يحيينا هو شبع العقل من الحكمة
يحكى في غابر الأزمان أن واليا في خراسان أقام مأدبة عظيمة في شهر الصيام دعا إليها الأعيان والفقهاء وحشد فيها من الأطعمة ما لم تره عين وكان من بين الحضور عالم زاهد عرف بحكمته لاحظ العالم أن الوالي يتباهى بصحاف الذهب والفضة بينما كان لسان الوالي لا يكف عن السخرية من وزرائه والتقليل من شأن جلسائه والناس من حوله يتملقونه طمعا في لقمة قام العالم وأخذ تمرة واحدة ووقف وسط الجمع قائلا أيها الوالي أرى الموائد عندك قد فاضت لكن العقول قد غاضت جفت أرى الناس يتقاسمون تمرك لكنهم يتشاحنون على مكانتهم في مجلسك ارتبك الوالي وقال أليس هذا من إكرام الشهر يا إمام فأجابه الحكيم يا والي البلاد إن الجوع الذي يطهرنا هو جوع النفس عن الكبر وإن الشبع الذي يحيينا هو شبع العقل من الحكمة لقد أشبعت بطون هؤلاء من مال الرعية ولكنك جوعت أرواحهم حين لم تطعمهم عدلا ولا أدبا ما نفع رغيف مشبع لقلب جائع إلى الإنصاف ساد الصمت القاعة وأدرك الحاضرون أن تلك التمرة التي أكلها الحكيم بوقار كانت أثقل في ميزان الأخلاق من كل تلك الخراف المذبوحة على موائد التفاخر
فالعبرة من القول ليست بما نضعه في أفواهنا بل بما يخرج منها وليست بما تكتنز به بيوتنا بل بما تفيض به نفوسنا من مروءة فليكن صيامنا هذا العام صياما عن ضيق الأفق وإفطارا على سعة الوعي وكما قال الحكماء قديما زينة الموائد الطعام وزينة المجالس الأدب وزينة العقول الحكمة أتمنى أن نكون ممن صامت جوارحهم قبل بطونهم وارتقى فكرهم قبل موائدهم دمتم بحفظه ورعايته.