حدثني أحد الباحثين في تراث الشيخ محمد بن سالم البيحاني، ممن أطمئن لقوله وصدقه، قال: حدثني أحد أقرباء الشيخ البيحاني أنه عندما قرر الرفاق الحمر في عدن تصفية الشيخ، كما فعلوا بآخرين في إطار سيعهم في التخلص من كل الأصوات المؤثرة في عدن والجنوب، قال: طرق باب الشيخ في ساعة من الليل وخلسة من الرقباء والمخبرين أحد قيادات التنظيم السياسي للجبهة القومية، رجل أديب وأريب، ممن يحفظون للشيخ ودًا، وأخبره أن ينجو بنفسه، وأن الرفاق يأتمرون به، وألا تشرق عليه الشمس في عدن، فقد أُتخذ القرار وقضي الأمر، وقال: ولم تشرق على البيحاني شمس عدن إلا وهو نازح غريب يجتاز الدروب والحدود نحو مدينة تعز، ملجأ الثائرين وملاذ الوطنيين، حيث سبقه إليها صديقه الحاج هائل سعيد أنعم الذي بالغ وأنعم في استضافته وإكرامه، ومنحه مسجدًا ومنبرًا.
وأيًا كان صدق هذه الرواية، فإن للشيخ البيحاني (رحمه الله) سردية متلحمة بسرديات عدن والجنوب المنسية، وتراثه الخصب حري بأن يُنقب عنه ويُصان تحقيقًا ونشرًا، بوصفه علمًا أعلام الأمة الكبار، وتراثه كله ملك للأجيال ولذاكرة الأمة والنضال.
ولد الشيخ محمد بن سالم البيحاني الكدادي في 20 أغسطس 1908، وتوفي في 13 فبراير 1972، وما بينهما رحلة حياة قد لا تبدو طويلة بما يكفي بالنسبة إلينا، لكنها كانت حافلة بالعطاء والبذل الإنساني النبيل في خدمة الأمة والمجتمع العدني، حياة طويلة بمعنى العطاء، وعمر مضاعف في ذاكرة التاريخ، على الرغم من أنها ضئيلة في مقياس الزمان، بضع وستون سنة كانت تكفي عند الشيخ محمد بن سالم البيحاني ـ رحمه الله ـ ليقول لقد مررّت بهذا الزمان الاستثنائي، زمن العبادي والأصنج ولقمان، فقيهًا وخطيبًا وشاعرًا، ومصلحًا اجتماعيًا أدى رسالته بين الناس، لكنها حياة درامية امتزجت فيها تراجيديا الذات بمحنة المكان، لا سيما في ظل المنغصات التي حاصرته في السنوات الأخيرة من حياته، حين ضيق عليه "الرفاق" القادمون إلى عدن مساحة من حرية كانت تسعه في زمن الاحتلال البريطاني وتمنحه فرصة أن يقف بكل قوة وصلابة ضد مخططاته الاستعمارية، لكن الزمن الجديد كان زمنًا استثنائيًا كذلك، وضيق إلى أبعد الحدود، منفتح على القمع والمنع، وعلى الاعتقال والاغتيال، ما دفع بمن بقي من كتاب المدينة ودعاتها ومثقفيها إلى هجرة قسرية في متسع الأرض التماسًا لأمكنة أكثر حرية لا تضيق ذرعًا بالإبداع وحرية الكلمة والفكر، ولعلّ في استعادة ذكرى البيحاني الكثير من الدلالات، ومن عبر التاريخ التي لا تنفد.
يقول في إحدى قصائده واصفًا تلك الأجواء الكابوسية التي جثمت على عدن:
عجبًا إذا سكت الفصيح مخافة أن تشهد الأبـواب ثم الحائــط
واليوم لا تأمن شـمالك لحظــة أن تقطع اليمنى وأنت الباسط
البيحاني اسم اتصل بعدن مثل غيره من الأسماء الأخرى في مختلف المجالات، وجهوده في التعليم الأهلي والمجالات الاجتماعية الخيرية ماثلة للمتبصرين حتى يومنا هذا، وفي 2008، وقد احتفلت جامعة عدن بالذكرى المئوية لميلاده في ندوة علمية كبيرة، سلطت الأضواء التي كانت محجوبة عن أعلام عدن وشخصيتها الفكرية والإبداعية المؤثرة في تاريخ المدينة، وهو غني عن التعريف بمفاصل حياته، قامة سامقة منحها حضورها المتميز في المجتمع العدني في منتصف القرن الماضي مكانة خاصة، وإن كان في الحديث عن حياته المزيد مما يلتمس من الأسوة، وقد ذكر الدكتور محمد شوبان الذي حقق ديوان البيحاني "بغية القاصد من أحسن القصائد" أن فكر البيحاني وثقافته قد تشكلت من ثلاثة اتجاهات مثلتها ثلاث مدراس: الأولى مدرسة أستاذه الأول عبدالله الشاطري في تريم، ذات المرجعية الصوفية الحضرمية، ثم الثانية مدرسة الشيخ العبادي في عدن، المستندة إلى فكر الإمامين جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والثالثة، وهي الأكثر بروزًا وتأثيرًا، المدرسة الأزهرية التي حوت المزيج المتكامل من الأصالة والمعاصرة، وقد حصل فيها على شهادتي الأهلية والعالمية الأزهريتين.
أما مؤلفاته الفكرية والأدبية فتربو على أربعة عشرة كتابًا، يغلب عليها الديني/ الاجتماعي، والشعري، وقد لفت نظري أنه قد استعان بفن القص أسوة بغيره من الدعاة والمصلحين، وقد كتب قصة بعنوان "صفية المظلومة"، ولعلها لا تخرج عن المضامين التعليمية التي كان يحاول أن يمررها في المنظومات التي ألفها.
كان البيحاني بوصفه شاعرًا تقليديًا يميل إلى الشعر الاجتماعي وتوثيق المواقف والأحداث في قصائده، غير أن قصائده موشاة بالبوح الذاتي المتصل بالحياة الخاصة:
مولدي كان بالقصاب وبيتي من أجل البيوت في حصن هادي
وأبي كان عابــــدًا وفقيهـــًا ولي الفخـــر أن أصلي كـــــدادي
لا أبالي بمـدح هذا ولا بالذ م مــــن ذاك، كلـــــــــهم أولادي
ويحضر في شعره خطاب للذات، مما يوشك أن يشكل ملامح سيرة ذاتية شعرية متشظية في ثنايا ديوانه، اكتفي هنا بخفيف الإشارة إلى قصيدتين؛ الأولى القصيدة التي كتبها بمناسبة بلوغه سن الخمسين من العمر:
مضت خمسون عامًا من حياتي وما أعددت شيئًا للممات
وخلفت الشـــباب ولسـت أدري بما أنا بعد هذا السـن آت
وهي قصيدة طويلة حافلة برسم الذات والبوح بالانفعالات الداخلية التي لم يكن أمام البيحاني إلا أن يفضي بها في صورة شعرية، يبدو فيها شعوره بالتعب وآثار الشيخوخة المبكرة، ونبوءة شعرية بما تحمله الأيام القادمة من صراع وألم.
أما القصيدة الأخرى، والتي مطلعها:
أحنُّ إليك يا بـلد المعالـــي ومالي لا أحـــنُّ، وألف مــالي!
أحنُّ إليك والأنفاس حـرّى ونار الحبِّ تُطفى بالوصـــــال
وأسأل عنك زواري جميعًا وما يشفي الجواب من السؤال
فهي قصيدة في الحنين الصادق إلى المكان والزمان، كتبها بألم محبٍّ في آخر أيامه، في أثناء هجرته القسرية من عدن إلى مدينة "تعز" في شمال اليمن، وهو يطل على مدينته "عدن" التي غادرها مكرهًا، يتداخل فيها الحديث عن الذات بالحديث عن المدينة، وهي إلى جانب كونها ترسم سيرة مختصرة لحياته في عدن، ومكانته فيها خطيبًا وإمامًا لمسجد "العسقلاني" أكبر مساجدها الموصول إلى القاضي والإمام ابن حجر العسقلاني، وفي القصيدة ذكريات البيحاني في عدن أنديتها، وتتسم بطابع حجاجي في الدفاع عن الذات وما لحق بها من محنة وأذى وظلم كبير أدى إلى حزن وحسرة سكنت قلب الفقيه الشاعر على فراق أهله ومدينة، دام معه هذا الحزن إلى لحظة موته، والتي حانت بعد يومين فقط من عودته من رحلة الحج إلى بيت الله الحرام في ليلة الجمعة 13 فبراير 1972.
رحم الله إمام عدن وخطيبها وشيخها محمد بن سالم البيحاني وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة..