آخر تحديث :الثلاثاء-27 يناير 2026-11:44م

الجنوب في زمن التحولات.. قراءة هادئة لفرصة سياسية نادرة

الإثنين - 26 يناير 2026 - الساعة 04:26 م

نجيب محفوظ الكلدي
بقلم: نجيب محفوظ الكلدي
- ارشيف الكاتب

تمر القضية الجنوبية اليوم بلحظة سياسية مختلفة عن كل ما سبقها، ليس لأنها أكثر عدالة من ذي قبل، فعدالتها ثابتة، بل لأن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها تغيّرت بصورة عميقة.. ما نشهده ليس مجرد تبدّل في المواقف، بل إعادة صياغة شاملة لكيفية إدارة الملفات المعقّدة في المنطقة، وفي مقدمتها الملف اليمني، الذي انتقل تدريجيًا من كونه ساحة صراع مفتوح إلى كونه ملف تسوية سياسية تبحث عن الاستقرار قبل أي شيء آخر.

هذا التحول يفرض علينا، كجنوبيين، مسؤولية قراءة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.. فالقضية الجنوبية اليوم تحظى بتفهم متزايد، ليس فقط لأنها قضية تاريخية عادلة، بل لأنها أصبحت جزءًا من معادلة الاستقرار الإقليمي.. هنا يبرز الدور المحوري الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية، التي لم تعد تتعامل مع الجنوب بمنطق الأطراف المتصارعة، بل بمنطق جمع المختلفين تحت مظلة الحوار، وتهيئة بيئة سياسية تمنح الجميع فرصة التعبير والمشاركة دون إقصاء.

إن احتضان الرياض لمسار التمهيد للحوار الجنوبي–الجنوبي ليس حدثًا بروتوكوليًا، بل مؤشر واضح على أن الجنوب يُنظر إليه اليوم كمساحة سياسية واحدة، متعددة في مكوناتها، موحّدة في حقها، وأن أي معالجة جادة للقضية الجنوبية لا يمكن أن تقوم على الاستفراد أو الادعاء بامتلاك التمثيل الكامل.. هذه الحقيقة وحدها كفيلة بأن تدفعنا لمراجعة الكثير من المسلمات التي حكمت سلوكنا السياسي في مراحل سابقة.

لقد أخطأنا، ولا بد من الاعتراف بذلك، حين خلطنا بين عدالة القضية وصواب إدارة أدواتها.. أخطأنا حين اختزلنا الجنوب في كيان، أو حصرناه في قيادة، أو تعاملنا مع الاختلاف بوصفه خيانة لا تنوعًا.. هذه الأخطاء لم تُضعف خصومنا بقدر ما أضعفت موقفنا نحن، وأهدرت كثيرًا من الفرص التي كانت متاحة لو أحسنا استثمارها في وقتها.

اليوم، نحن أمام فرصة جديدة، لكنها مشروطة، الفرصة لا تُمنح لمن يرفع الصوت أعلى، بل لمن يقدّم نفسه شريكًا مسؤولًا قادرًا على إدارة خلافاته الداخلية دون أن يحوّلها إلى صراعات اجتماعية أو مناطقية، الجنوب اليوم مطالب بأن يتحدث بصوت واحد في القضايا الكبرى، حتى وإن اختلفت الأصوات داخله حول التفاصيل، فالوحدة في الهدف لا تعني التطابق في الرأي، بل الاتفاق على سقف سياسي جامع يحفظ للجميع حق المشاركة.

الحوار الجنوبي–الجنوبي، الذي يجري الإعداد له في الرياض، يجب أن يُنظر إليه بوصفه لحظة تأسيس لا مجرد لقاء عابر.. هو فرصة لإعادة بناء المشروع الجنوبي على أسس الشراكة، واحترام التعدد، وفصل القضية عن الأشخاص، وضمان أن تكون المصلحة العامة هي البوصلة الوحيدة التي توجّه هذا المسار. فالقضية الجنوبية أكبر من أي كيان، وأبقى من أي مرحلة، ولا يجوز أن تُرهن بمزاج اللحظة أو حسابات النفوذ الضيقة.

إن التحولات الجارية في المنطقة تفتح الباب أمام الجنوب ليقدّم نفسه بوصفه عنصر استقرار لا مصدر قلق، وبوصفه شريكًا سياسيًا يمكن الاعتماد عليه في أي تسوية شاملة داخل اليمن.. لكن هذا لن يتحقق ما لم نتحرر من عقلية الغلبة، ونتجه بوعي نحو عقلية التوافق، وندرك أن السياسة ليست ساحة انتصار وهزيمة، بل فن إدارة الممكن وتحقيق المكاسب المتراكمة.

في النهاية، الفرصة اليوم حقيقية، لكنها ليست مضمونة؛ نجاحها مرهون بقدرتنا نحن أبناء الجنوب على أن نكون على مستوى قضيتنا، وأن ندير اختلافاتنا بعقل الدولة، وأن نحول هذه اللحظة من مجرد تحول إقليمي عابر إلى محطة تاريخية تُكتب لصالح الجنوب لا عليه.

رئيس تحرير منبر عدن