آخر تحديث :الإثنين-16 مارس 2026-03:14م
أخبار محلية

عدن… حين قرر الجنوب أن يقاوم: معركة الصمود والأنتصار

عدن… حين قرر الجنوب أن يقاوم:  معركة الصمود والأنتصار
الإثنين - 16 مارس 2026 - 01:25 م بتوقيت عدن
- كتب وجدي السعدي


لم تكن معركة عدن عام 2015 مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل شكلت محطة مفصلية في مسار الصراع في اليمن والمنطقة. فمع سقوط صنعاء بيد جماعة الحوثي وحلفائها، بدت عدن الهدف التالي في مشروع التمدد، الأمر الذي وضع الجنوب أمام اختبار تاريخي بين الخضوع أو المقاومة.

في تلك اللحظة الحرجة، ومع مغادرة معظم القيادات السياسية والعسكرية للمدينة، بدت عدن وكأنها تُترك لمصير مجهول. غير أن ما حدث على الأرض كان مختلفاً؛ إذ بدأت تتشكل ملامح مقاومة شعبية من أبناء المدينة، مدفوعة بإرادة الدفاع عن الأرض والهوية، ورافضة أن تتحول عدن إلى حلقة جديدة في مشروع الهيمنة الذي كان يتقدم من الشمال.

في خضم تلك الظروف، برز اسم اللواء الشهيد علي ناصر هادي كأحد أبرز القادة الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية تنظيم الدفاع عن المدينة. فقد لبّى نداءً أطلقه عدد من القيادات العسكرية الجنوبية المتقاعدة ونشطاء الحراك الجنوبي لعقد اجتماع طارئ في إدارة الأمن العام بعدن، بهدف توحيد الجهود لمواجهة الخطر القادم.

خرج ذلك اللقاء بقرار اختيار علي ناصر هادي قائداً للدفاع عن عدن، في خطوة عكست إدراكاً مبكراً لدى القوى المحلية بأن المعركة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع على مستقبل الجنوب وموقعه في معادلة القوة في المنطقة.

لاحقاً، صدر قرار رسمي بتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً لمعركة الدفاع عن عدن. غير أن الرجل كان قد بدأ فعلياً مهمته قبل صدور القرار، مستنداً إلى علاقاته العسكرية وخبرته الميدانية، حيث تمكن خلال وقت قصير من جمع عدد من القيادات العسكرية والميدانية، إلى جانب مئات الشباب من أبناء عدن ومحافظات أبين ولحج وشبوة والضالع.

في ظل شح الإمكانيات العسكرية، عملت المقاومة على تنظيم خطوط الدفاع داخل المدينة وتقسيمها إلى مربعات قتالية، في محاولة لاحتواء التقدم العسكري للقوات المهاجمة.

وفي الوقت الذي كانت فيه القوات المتحالفة مع الحوثيين تتقدم نحو الجنوب بعد انهيار جبهات في لحج وأسر وزير الدفاع اللواء محمود الصبيحي وعدد من القيادات العسكرية، ساد اعتقاد لدى كثيرين بأن سقوط عدن أصبح مسألة وقت.

غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن المعركة لم تكن مجرد مواجهة تقليدية بين جيشين، بل صراع إرادات بين مشروعين سياسيين متناقضين.

خاضت مجموعات من أبناء عدن وأبين ولحج أولى المواجهات في مناطق البساتين ودار سعد وجعولة، حيث شكلوا خط الدفاع الأول عن المدينة. ومع تصاعد المواجهات، امتدت المعارك إلى محيط مطار عدن وخط الجسر ومعسكر بدر والكورنيش.

ومع اشتداد الضغط العسكري، انتقل القائد علي ناصر هادي إلى التواهي، حيث واصل إدارة المعركة من مقر المنطقة العسكرية الرابعة ومبنى الاتصالات، في وقت كانت فيه المدينة تواجه حصاراً خانقاً من عدة اتجاهات.

أصبح البحر المنفذ الوحيد للتواصل بين مواقع المقاومة المختلفة، وكان القائد الشهيد يتنقل عبر زوارق البحرية لتفقد الجبهات ورفع معنويات المقاتلين، في مشهد يعكس طبيعة القيادة الميدانية التي ميزت تلك المرحلة.

وفي خضم تلك المعارك، سقط علي ناصر هادي شهيداً وهو يقاتل في الخطوط الأمامية، ليصبح أحد أبرز رموز معركة الدفاع عن عدن.

لكن قراءة تلك المرحلة سياسياً تكشف أن معركة عدن لم تكن معركة قائد واحد، بل معركة مجتمع بأكمله قرر الدفاع عن نفسه في مواجهة مشروع سياسي وعسكري كان يسعى إلى فرض واقع جديد بالقوة.

ومن أبرز مشاهد تلك المعركة ما حدث في جبهة التواهي، حيث تحولت صوامع الغلال في المعلا إلى موقع عسكري استراتيجي تمركزت فيه قوات الحوثيين، واستخدمته لقصف مواقع المقاومة في القلوعة وحجيف، إضافة إلى نشر قناصة فوق الصوامع أعاقوا تقدم المقاتلين.

وأمام صعوبة استهداف الموقع عبر القصف البحري، قررت مجموعات من شباب المقاومة تنفيذ عمليات اقتحام جريئة رغم إدراكهم حجم المخاطر.

في العملية الأولى، قام ثمانية من المقاتلين بإصلاح عربة تابعة للأمن المركزي والتقدم بها نحو الصوامع. حاول القائد علي ناصر هادي ثنيهم عن تنفيذ العملية خوفاً على حياتهم، غير أنهم أصروا على تنفيذ المهمة. تحركوا نحو الموقع ولم يعد أي منهم.

وبعد نحو أسبوع، تكررت المحاولة عندما تمكنت مجموعة أخرى من إصلاح عربة مدرعة من نوع "بي إم بي" كانت متوقفة في مقر المنطقة العسكرية الرابعة، وجلبوا الذخيرة وسائقاً ورامياً يجيد استخدامها.

تحركت العربة نحو الصوامع، ولم يسمع من موقعها سوى أصوات انفجارات عنيفة. واعتُقد حينها أن جميع المشاركين في العملية قد استشهدوا، قبل أن تكشف عمليات تبادل الأسرى بعد تحرير عدن أن بعضهم وقع في الأسر، بينما ظل مصير آخرين مجهولاً.

تعكس هذه العمليات وغيرها طبيعة المعركة التي شهدتها عدن، حيث خاض كثير من المقاتلين مواجهات مصيرية دون أن يسعوا إلى شهرة أو مكاسب سياسية، بل بدافع الدفاع عن مدينتهم وهويتهم.

وبعد أشهر من القتال العنيف، انتهت المعركة بتحرير عدن، لتتحول تلك اللحظة إلى نقطة تحول سياسية وعسكرية في مسار الصراع في اليمن، ولتؤكد أن إرادة المجتمعات المحلية يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في تغيير موازين القوة.

وفي ذكرى تلك الأحداث، تبقى معركة عدن واحدة من أبرز محطات الصمود في تاريخ الجنوب الحديث، وتبقى أسماء الشهداء حاضرة في الذاكرة السياسية والشعبية للمدينة.


وجدي السعدي