المدينة ليست جدراناً و أسفلتاً ، بل أن المدينة هي مرآتنا التي نرى فيها أخلاقنا قبل أن نرى وجوهنا ، و نقيس فيها وعينا قبل أن نقيس شوارعها .. و لهذا كانت نظافة مدينتنا مسؤوليتنا جميعاً ، و كل من موقعه ، و بحسب اختصاصه .
فقد تظن أن وضعك للقمامة في المكان المخصص لها عمل بسيط ، و الحقيقة أنه فعل وطني من الطراز الأول ، فحين ترمي كيسك في الحاوية ، فأنت لا تتخلص من نفايات فقط ، بل أنك تساهم في إنقاذ طفل من مرض ، و تمنع وباءً من الانتشار ، و تحفظ كرامة عامل النظافة الذي يسهر ليقوم بواجبه الإنساني و الأخلاقي على أكمل وجه .
و حين ترشد ابنك ليرمي القمامة في مكانها، فأنت لا تعلمه سلوكاً فقط بل أنك تغرس فيه قيمة ، و تبني فيه مواطناً ، و تصنع جيلاً لا يرى الشارع مكباً ، بل يراه بيتاً .
فكم من حملات نظافة انطلقت ثم ماتت ؟ لأننا تعاملنا مع النظافة كحدث عابر ، لا كـعقد دائم بيننا و بين هذه الأرض .. الأرض التي نأكل من خيرها ، و نتنفس هواءها ، و يمشي عليها أبناؤنا ... أفلا تستحق منا أن نحميها من قاذوراتنا ؟
أن عامل النظافة لا يملك عصا سحرية ، بل أنه يد، و نحن مائة يد ، فإذا تعاونّا معه ، انتصرت المدينة ، و إذا خذلناه، غرقت المدينة في الأوساخ و الروائح و الأمراض .
فلنتحمل أمانة المسؤولية الملقاة على عواتقنا كما ينبغي أن تكون ، إذ أن المسؤولية ليست فقط على عاتق صندوق النظافة و عماله ، بل أن المسؤولية على التاجر أمام محله ، و على رب الأسرة أمام بيته ، و على الطالب أمام مدرسته ، و على السائق أمام سيارته .
فإذا أردنا بيئة نظيفة خالية من الأمراض و الآفات والشوائب ، فأن الطريق إلى ذلك يبدأ من يدك أنت .. من كيسك أنت .. من سلوكك أنت .
و بهذا الصدد فالخلاصة التي يجب أن ندركها تمامٱ هي : أن الوطن النظيف يبدأ مني و منك ، لأننا لن نستورد النظافة في حاويات ، بل أن النظافة تُصنع في العقول قبل الشوارع .. و لذا يجب أن نتذكر دائماً أن الشارع المتسخ فضيحة ، و الشارع النظيف حضارة .. و المواطن الذي يرمي القمامة بعشوائية خائن لأمانة المكان ، و المواطن الذي يحافظ على نظافته شريك في بناء الوطن
إن مدينتنا أمانة ... فلا تخنوها .. و نظافتها شرف ... فلا تفرطوا به .. حيث أن المدينة التي نحلم بها غداً يجب أن نرمي لها بذرة النظافة اليوم .