آخر تحديث :الإثنين-13 يوليو 2026-01:55م

الرباش... بين مطرقة الواقع وسندان الحالمين بالعصا السحرية

الإثنين - 13 يوليو 2026 - الساعة 12:40 م

د. سعيد الحرباجي
بقلم: د. سعيد الحرباجي
- ارشيف الكاتب

يبدو أن بعض الناس في أبين اكتشفوا أخيرًا سرَّ فشل البشرية في القضاء على الفقر والحروب والأزمات الاقتصادية؛ فالسبب ببساطة أن الأمم المتحدة لم تستعن بعد بمحافظ أبين!


هكذا توحي بعض الخطابات التي تُحمِّل الدكتور مختار الرباش مسؤولية كل ما جرى ويجري، وكأنه استلم محافظة مزدهرة تعج بالمشاريع والاستثمارات والخدمات، ثم حوّلها بقدرة قادر إلى ما هي عليه اليوم.


والحقيقة أن الرجل لم يرث خزائن ممتلئة، ولا مؤسسات مستقرة، ولا بنية تحتية حديثة، بل ورث تركة ثقيلة تراكمت فوقها سنوات من الإهمال والاضطراب والحرب والانهيار الاقتصادي.

ومع ذلك..


يتعامل البعض معه كما لو أنه تأخر في تشغيل مصنع للأحلام كان ينبغي أن ينتج الكهرباء والمياه والطرق والأمن بمجرد جلوسه على كرسي المحافظة.


إن من أطرف ما في المشهد السياسي اليمني عمومًا، والأبيني خصوصًا، أن كثيرًا من الذين صمتوا طويلًا على أسباب الأزمة الحقيقية ..... استيقظت فيهم فجأة روح المحاسبة عندما جاء وقت المعالجة.


فالذين لم يسألوا يومًا كيف وصلت الأوضاع إلى هذا المستوى، أصبحوا اليوم خبراء في تعداد ما لم يتحقق بعد.


إنهم يشبهون ذلك الرجل الذي أشعل النار في منزله، ثم وقف يلوم رجال الإطفاء لأنهم لم يعيدوا طلاء الجدران أثناء إخماد الحريق.


والأغرب من ذلك أن بعض الأصوات تتحدث عن أبين وكأنها جزيرة معزولة عن اليمن، لا تتأثر بما تتأثر به بقية المحافظات من أزمات مالية وخدمية وأمنية.


وكأن موازنة المحافظة تأتيها من كوكب آخر، أو أن الحرب التي عصفت بالبلاد توقفت عند حدودها احترامًا للجغرافيا.

ثم تأتي الحكاية الأكثر مرارة...


فمنذ سنوات طويلة، وهناك من يحاول تسويق أبين للعالم باعتبارها عنوانًا للإرهاب، متجاهلًا أن أبناءها كانوا في طليعة من قاتلوا الإرهاب، ودفعوا أثمانًا باهظة في مواجهته.


فبدل أن تُقدَّم المحافظة بوصفها ضحية لهذا الإرهاب ومقاومة له، جرى أحيانًا تقديمها بوصفها متهمة في قفص الاتهام.


ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد وجد بعض أبناء المحافظة أنفسهم يشاركون ــ بقصد أو بغير قصد ــ في ترسيخ هذه الصورة الظالمة، حتى باتت أبين تُحاكم أحيانًا بما فعله أعداؤها لا بما قدمه أبناؤها من تضحيات.


ولا يعني ذلك أن الرباش فوق النقد، فالمسؤول الذي لا يُنتقد مسؤول يعيش خارج التاريخ... لكن ثمة فارقًا كبيرًا بين النقد الذي يبحث عن الحلول، والنقد الذي يبحث عن ضحية جديدة يعلّق عليها الناس خيباتهم القديمة.


فالنقد الموضوعي يسأل: ما الذي أُنجز؟ وما الذي تعثر؟ ولماذا تعثر؟


أما النقد الانفعالي فيبدأ بالحكم ثم يبحث لاحقًا عن الأدلة.


ولعل أكثر ما ينطبق على حال الرجل اليوم قول المتنبي:


وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً

على المرءِ من وقعِ الحسامِ المهنّدِ


فالطعنات التي تأتي من القريب كثيرًا ما تكون أشد ألمًا من هجمات الخصوم.


أما الخصوم فهم يفعلون ما يُنتظر منهم، لكن المؤلم أن يتحول بعض أبناء البيت الواحد إلى قضاة يصدرون الأحكام قبل اكتمال المرافعة.


إن أبين لا تحتاج اليوم إلى صناعة خصم جديد، ولا إلى تحويل كل مسؤول إلى شماعة تُعلَّق عليها أخطاء عقود طويلة.


ما تحتاجه هو قدر من الإنصاف، وشيء من العقلانية، وكثير من التعاون.


أما أولئك الذين ينتظرون من الرباش أن يحلَّ مشكلات السنين في بضعة أشهر ....


فربما يجدر بهم أولًا أن يبحثوا عن تلك العصا السحرية التي يتحدثون عنها كثيرًا... فإن وجدوها، فلن تنقذ أبين وحدها، بل ربما تنقذ العالم بأسره .