في اليمن...
لم تعد الحرب مجرد أصوات مدافع، ولا خرائط تتبدل ألوانها، ولا بيانات تتقاذفها الشاشات...
لقد أصبحت أسلوبًا لإدارة الحياة، حتى كأن السلام نفسه يحتاج إلى تأشيرة عبور من خارج الحدود !!!!
اثنا عشر عامًا وأكثر واليمن يُسحق بين رحى صراع لا يعرف الرحمة.
الأرض أنهكها الخراب، والإنسان استنزفه الجوع، والكرامة تتوارى كل يوم تحت ركام الحاجة.
حتى صار المواطن يحصي أيامه كما يحصي السجين قضبان زنزانته.
لا ينتظر فجرًا، بل ينتظر فقط ألا يكون الغد أشد قسوة من الأمس !!!
والمفارقة التي تثير الأسى قبل السخرية....
أن الجميع يتحدث باسم اليمن، بينما اليمن نفسه غائب عن طاولة القرار.
الكل يرفع راية الوطنية، لكن البوصلة كثيرًا ما تتجه إلى حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية، حتى بدا الوطن وكأنه آخر ما يُفكَّر فيه.
لقد تحولت البلاد -في نظر كثير من اليمنيين- إلى رقعة شطرنج، بينما يتصرف بعض اللاعبين وكأنهم مجرد أحجار تتحرك بأيدٍ أخرى.
فإذا تحركت العواصم تحركوا، وإذا صمتت صمتوا، وإذا اختلف الخارج اختلفوا، حتى أصبح القرار اليمني أشبه (برسالة مؤجلة) لا تُقرأ إلا بعد أن يفرغ الآخرون من كتابتها.
فأي مأساة هذه؟!!!
أيعقل أن بلداً عُرف عبر التاريخ بأنه مهد الحضارات يعجز أبناؤه عن الاجتماع حول طاولة واحدة إلا إذا جاءهم موعد الاجتماع مختومًا بختم الخارج؟ !!!
وهل أصبح اليمنيون عاجزين إلى هذا الحد عن صناعة مستقبلهم، حتى صار السلام سلعة مستوردة، والحرب منتجًا محليًا؟!!
والأشد مرارة أن الخطابات لا تزال تتخم الناس بالشعارات الكبيرة ( تحرير، شرعية، مقاومة، سيادة، مشروع وطني)... بينما المواطن لا يجد ما يحرر أبناءه من الجوع، ولا ما يمنحه حق الحياة بكرامة.
فالوطن لا تُبنى سيادته بالخطب، وإنما تُبنى عندما تكون مصلحة الشعب أعلى من مصلحة الأشخاص، وأعلى من حسابات المحاور.
لقد أثبتت السنوات أن الرهان المطلق على الخارج لا يصنع وطنًا.....بل يصنع تبعية أطول عمرًا.
أما الأوطان فلا تستعاد إلا عندما يمتلك أبناؤها شجاعة الاعتراف بأن استمرار الاحتراب ليس انتصارًا لأحد، وأن كل يوم يمر في هذه المأساة هو هزيمة جديدة لليمن، مهما ادعى كل طرف أنه المنتصر.
فإلى متى سيظل اليمن ينتظر من الآخرين أن يقرروا متى يتصالح أبناؤه؟ وإلى متى يبقى القرار الوطني معلقًا بين العواصم، بينما المقابر وحدها تواصل استقبال الضحايا دون انقطاع؟
إن اللحظة التي يجلس فيها اليمنيون إلى طاولة حوار يمني خالص ويقدمون فيها الوطن على المصالح ، والإنسان على المشاريع الضيقة..... ستكون أول يوم حقيقي في طريق الخلاص.
أما انتظار الفرج من الخارج، فقد أثبت مرارًا أنه لا يطيل إلا عمر الأزمة، ويؤجل فقط موعد إنقاذ الوطن.
فالتاريخ لا يرحم من يفرط في وطنه، والأجيال القادمة لن تسأل: مع أي محور كنتم؟ بل ستسأل سؤالًا واحدًا: لماذا تركتم اليمن ينتظر إذنًا بالحياة من غير أبنائه؟