آخر تحديث :الخميس-26 مارس 2026-07:56م

عبودية بلا سلاسل: كيف انحرف الانتماء السياسي عن مساره، وتحول إلى عبودية فكرية؟

الخميس - 26 مارس 2026 - الساعة 06:13 م

محمد صالح البعسي
بقلم: محمد صالح البعسي
- ارشيف الكاتب

طوال الفترة الماضية، حاولت أن أظل على مسافة واحدة من جميع الأحزاب والمكونات السياسية، ليس رفضاً لفكرة الانتماء بحد ذاتها، فهي في أصلها ممارسة طبيعية وصحية في أي مجتمع حي، بل رغبةً الإلتزام بالحيادية بحكم اهتمامي بالتدريب في مجال المشاركة والتنمية السياسية، وأن أرى المشهد بوضوح، دون أن تُقيد رؤيتي زاوية ضيقة أو ولاء مسبق، أؤمن دائماً أن المسافة في بعض الأحيان تمنحنا قدرة أكبر على الفهم، وأن الحياد قد يكون الطريق الأصدق نحو موقف أكثر وعياً ونضجاً.


لكن، ومع انخراطي في مجالات التدريب المتعلقة بالمشاركة السياسية، واحتكاكي المباشر بمختلف الأطراف؛ أحزاباً، ومكونات سياسية أو قبلية، أو حتى مجتمعية، سواء داخل قاعات التدريب أو عبر متابعة الواقع السياسي، وحتى في الجلسات الشخصية والنقاشات الودية، بدأت تتشكل لدي قناعة مقلقة: نحن لا نعيش أزمة تنوع سياسي، بل أزمة وعي سياسي.


المشكلة ليست في تعدد الأحزاب والمكونات، ولا في اختلاف التوجهات، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع هذه التوجهات. لقد تحوّل كثير من الانتماء السياسي من كونه التزاماً بفكرة أو مشروع، إلى حالة ولاء أشبه بالتقديس للأشخاص، نرفع القادة إلى مرتبة لا تُمس، وندافع عنهم حتى في أخطائهم، ونبرر إخفاقاتهم وكأننا نحمي حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش.


في مجتمعاتنا، أصبح السؤال: “من تتبع؟” أهم من “ما الذي تؤمن به؟”، وأصبح الانتصار للأشخاص مقدماً على الانتصار للقيم، والوطن، والقضية. وهنا تكمن الخطورة؛ حين يتحول الوعي الجمعي من نقد الأفكار إلى تبرير الأفراد، ومن تقييم الأداء إلى تلميع الرموز.


وللأسف، لم تتوقف هذه الحالة عند حدود السياسة فقط، بل امتدت لتتغلغل في تفاصيل حياتنا اليومية بشكل مقلق؛ أصبحنا نشمت ببعضنا، ونتخاصم، بل وقد نصل إلى إيذاء بعضنا البعض لأجل “أصنامنا” التي صنعناها بأيدينا. لم نعد نفرّق بين ما هو سياسي وما هو إنساني، فاختلطت علينا المسارات؛ خلطنا السياسة بالدين، والوطن، والرياضة، والعمل الإغاثي والإنساني، والتعليم، وحتى بالعلاقات الأسرية وروابط التزاوج.


أصبح الانتماء، بدل أن يكون مساحة للتنوع، سجناً ضيقاً نحاكم به الآخرين، لدرجة أننا قد نرفض علاقة إنسانية أو ارتباطاً أسرياً فقط لأن الطرف الآخر ينتمي لفكرة مختلفة، أو حتى ينتمي إلى طرف سياسي مختلف؛ وكأن الخلاف في الرأي أو الميول بات جريمة أخلاقية، أو خروجًا عن “الولاء”.


تخيّل أن يصل بنا الحال إلى أن يتحول الانتماء السياسي إلى معيار للقبول والرفض، وكأن المنتمي لحزب برشلونة لا يمكنه الارتباط بابنة عضو مكون ريال مدريد، وكأننا أمام خطوط فاصلة لا يجوز تجاوزها، أو كأن الأمر يرتقي إلى مستوى القطيعة الكبرى. إنها صورة ساخرة في ظاهرها، لكنها تعكس خللاً عميقاً في وعينا الجمعي.


إن تقديس الأشخاص لا يصنع أوطاناً، بل يصنع هشاشة فكرية، ويقود إلى تعطيل المساءلة، ويقتل روح الإصلاح. فالقائد، أياً كان، يظل إنساناً يصيب ويخطئ، والمشروع الحقيقي هو الذي يُبنى على مبادئ واضحة، لا على أشخاص قد يتغيرون أو يتبدلون.


ولكي نكون منصفين، فإن هذه الظاهرة لا تخص حزباً بعينه أو مكونًا دون آخر؛ بل هي سمة عامة، تتكرر بأشكال مختلفة في كل الأطراف. الجميع، بدرجات متفاوتة، وقع في فخ الشخصنة، وابتعد عن جوهر العمل السياسي القائم على البرامج والرؤى.


ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الاصطفاف، بل مزيداً من الوعي. نحتاج أن نعيد تعريف الانتماء، ليكون انتماءً للفكرة لا للشخص، للمشروع لا للرمز، للوطن لا للجماعة. نحتاج إلى ثقافة تسأل وتناقش وتنتقد، لا ثقافة تصفق وتبرر وتُسلم.


التحول الحقيقي يبدأ من الفرد؛ من قدرته على التفكير المستقل، ومن شجاعته في مراجعة قناعاته، ومن إيمانه أن الولاء الأسمى يجب أن يكون للحق، لا لمن يدّعي امتلاكه.


في النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض وهو يقدّس أشخاصه أكثر مما يقدّس مبادئه. فالأوطان تُبنى بالأفكار، وتستمر بالمؤسسات، وتحيا بالوعي… لا بالأصنام.