في محطات الحياة الفارقة، لا تقاس التحولات بما نخطط له بقدر ما تقاس بما يمنح لنا من مواقف صادقة تغير المسار كله، ومن بين تلك المحطات، يظل هذا الموقف حاضرًا في وجداني، بوصفه اللحظة التي أعادت تشكيل مسيرتي العلمية ومنحتني القدرة على الاستمرار.
عند التحاقي ببرنامج الماجستير في كلية التربية بجامعة عدن، كنت أعمل مدرسًا في إحدى ثانويات مكتب التربية بمحافظة أبين، في ظل ظروف معيشية محدودة، حيث لم يكن راتبي يكاد يغطي احتياجات أسرتي الصغيرة. ورغم إصراري على مواصلة تعليمي على نفقتي الخاصة، مثلت الرسوم الدراسية تحديًا كبيرًا كاد أن يضع حدًا لطموحي.
تقدمت بطلب دعم إلى مكتب التربية بمحافظة أبين، مستندًا إلى سنوات خدمتي في التدريس في المناطق الريفية، غير أن الطلب قوبل بالرفض، لتزداد الضغوط مع اقتراب موعد الامتحانات، وقبل أسبوعين فقط من انطلاقها، تم إدراج اسمي ضمن قائمة الطلاب المهددين بالحرمان بسبب عدم سداد الرسوم، فعدت إلى منزلي مثقلًا بالإحباط، وبدأت أفكر جديًا في التراجع عن مواصلة دراستي.
وفي لحظة مصارحة مع والدي، عرضت عليه ما أواجهه من صعوبات، فكان رده بسيطًا في كلماته، عظيمًا في أثره، سألني عن قيمة الرسوم، فأجبته: 75 ألف ريال للفصل الأول، فقال بثقة: "غدًا سيكون المبلغ معك، سدد الرسوم ولا تتردد."
وبالفعل، سلمني المبلغ في اليوم التالي سألته عن مصدره، خاصة أن دخله محدود وراتبه لا يزيد عن 32 الف ريال، وهو يعيل أسرة كبيرة، فابتسم وقال: "استلفته من صديق، وسأسدده على أقساط." كانت كلماته تختصر معنى التضحية في أبهى صورها.
لم أتمالك نفسي، فقبلت رأسه امتنانًا، وحين هممت أن أنحني إجلالًا إلى ركبته لاقبلها حسب عادتنا مع كبارنا، رفع رأسي وقال بحزم أبوي نبيل:
"يا غسان، لا تخضع إلا لله وحده… وأملي فيك أن ترفع رأسي."
هنا، لم يعد الأمر مجرد رسوم دراسية سددت، بل كان عهدًا غير مكتوب، ومسؤولية أخلاقية، ودافعًا لا يخبو لمواصلة الطريق مهما اشتدت التحديات.
لقد شكل هذا الموقف نقطة الانطلاق الحقيقية في مسيرتي العلمية، وبقي أثره راسخًا في كل إنجاز تحقق لاحقًا، لأنه لم يكن دعمًا ماديًا فحسب، بل كان درسًا خالدًا في الكرامة، والعطاء، والإيمان بالقدرة على تجاوز الصعاب.
رحم الله والدي، المناضل العميد ناصر محمد علي عبادي، رحمة الأبرار، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجعل قبره روضة من رياض الجنة.